النووي
575
تهذيب الأسماء واللغات
أوقات معتادة ، وأصله : من حاض السّيل وفاض : إذا سال ، يسمّى حيضا لسيلان الدم في الأوقات المعتادة ، قال : والاستحاضة : أن يسيل الدم في غير أوقاته المعتادة ، قال : ودم الحيض يخرج من قعر الرحم ، ويكون أسود محتدما ، أي : حارا كأنه محترق ، وأما دم الاستحاضة فيسيل من العاذل ، وهو عرق فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره ، قال : وذكر ذلك عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما . هذا كلام الأزهري . وقوله العاذل : هو بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة وباللام . وقال الهروي : قال ابن عرفة : الحيض والمحيض : اجتماع الدم إلى ذلك المكان ، وبه سمي الحوض : لاجتماع الماء فيه ، ثم ذكر أن الحيض هو سيلان الدم في أوقاته المعتادة . فقد اتفق الهروي وشيخه الأزهري على أن الاستحاضة عبارة عن جريان الدم في غير أوقاته . وقد اختلف أصحابنا في حقيقة الاستحاضة ؛ فذهب جماعة إلى أن الاستحاضة لا تكون إلا دما متّصلا بالحيض ليس بحيض ، أن ترى الدم في زمن الحيض ويجاوز خمسة عشر يوما متصلا . فأما إذا رأت الدم قبل تسع سنين ، أو رأت بعد تسع دما غير متصل بالحيض ، فإن رأت دون أقل الحيض ، فليس هذا باستحاضة ، بل يسمّى دم فساد ، وذهب جماعة من أصحابنا إلى أن الجميع يسمّى استحاضة ، فممّن قال بالأول صاحب « الحاوي » ، فقال : قال الشافعي رضي اللّه عنه : لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين : فهو دم فساد ، لا يقال له : حيض ولا استحاضة ؛ لأن الاستحاضة لا تكون [ إلا ] على إثر حيض ، ثم قال بعد هذا بأسطر : النساء أضرب : طاهر وحائض ومستحاضة ، وذات فساد ، فالطاهر : ذات النقاء ، والحائض : من ترى الدم في أوانه ، والمستحاضة : من ترى الدم على إثر الحيض على صفة لا يكون حيضا ، وذات الفساد : من يبتدئ بها دم لا يكون حيضا ، هذا آخر كلام صاحب « الحاوي » . وقد أشار كثير من أصحابنا ، أو أكثرهم ، إلى معنى ما قال ، وهو أن الاستحاضة : الدم المتصل بدم الحيض ، فإن لم يتصل فدم فساد . وصرح أبو عبد اللّه الزبيري في كتابه « الكافي » ، والقاضي حسين وصاحبه صاحب « التتمة » ، وصاحب « العدة » وغيرهم بخلاف هذا ، فقالوا : دم الاستحاضة ضربان : متصل بدم الحيض ، وغير متصل ، فالمتصل : أن ترى البالغة الدم وتجاوز خمسة عشر [ يوما ] ، وغير المتصل : التي لها دون تسع سنين إذا رأت الدم ، والكبيرة إذا رأته وانقطع لدون يوم وليلة . وهذا الذي قاله هؤلاء صحيح مليح موافق لما قدمته عن إمامي اللغة : الأزهري والهروي . وقد استعمل في « المهذب » و « التنبيه » الاستحاضة بهذا المعنى ، فقال في « المهذب » في فصل النّفاس : فإن أدرّ الدم قبل الولادة خمسة أيام ، فمن أصحابنا من قال : هو استحاضة ، وقال في « التنبيه » : وفي الدم الذي تراه الحامل قولان ، أصحهما : أنه حيض ، والثاني : أنه استحاضة ، واللّه تعالى أعلم . وذكر أصحابنا اختلاف العلماء في المحيض المذكور في القرآن العزيز ، قالوا : مذهبنا أن الحيض والمحيض بمعنى الحيض ، كما قدمناه . وقال بعض العلماء : هو زمن الحيض ، وقال بعضهم : مكان الحيض هو نفس الفرج ، وقد أوضحت هذا كله بأدلته في « شرح المهذب » .